الرئيسية / مقالات / 15 ديسمبر.. صناعة التاريخ……بقلم: نيفين إبراهيم

15 ديسمبر.. صناعة التاريخ……بقلم: نيفين إبراهيم

بقلم: نيفين إبراهيم

منذ حوالى ثلاث سنوات، عُرض علىّ منصب جديد من قبل شخصية لها مكانتها فى دولة الإمارات حيث أعيش، وكان العرض مغريا جدا ومخيفا جدا فى ذات الوقت، وقتها لم يكن الوقت يسمح لى باتخاذ قرار سريع، كان العرض فرصة بكل المقاييس ولكنه تطلب أن أبدأ من الصفر أيضا بكل المقاييس! لم يكن هناك لا شركة ولا بِزنس قائما ولا حتى كرسى مكتب.. ولكن اسم وثقل الشخصية صاحبة العرض وأحلامها وطموحها وحجم المشروعات التى كانت تطمح فى تطويرها، كان بمثابة الفرصة الذهبية التى قلما تمر فى حياة أحد، فرصة أن تبنى مجموعة شركات من عدم، وتستخدم كل خبراتك ومهاراتك المهنية والحياتية لتخلق صرحا فى خطوات دقيقة وصعبة وبتحديات لا يمكن وصفها.

ومنذ عامين بالظبط وفى الوقت المناسب تماما والذى تزامن مع نهاية مرحلة هامة فى تاريخى المهنى، قبلت العرض وسط موقف، كان أشبه بأن تجد نفسك وحيدا وسط البحر الهائج ومعك فقط لوح من الخشب.

ونصحنى البعض بأن أتريث وإذا كان علىّ أن أترك عملى، فلأغادر للقاهرة حتى لا أتحمل تبعات قرار صعب جدا ووظيفة تحدياتها ومخاطرها أكبر بكثير مما يتصوره العقل، خاصة أن الفشل فيها قد ينسف تاريخى المهنى كله.

ونصحنى شخصا كنت أراه دائما مثلى الأعلى، قائلاً: “جربى، لن تخسرى شيئا وإن كنت أتصور أنكِ لن تستطيعى استكمال الطريق، فهو وعِر جدا ومحفوف بالمخاطر”، سألته: “هل تُشكك فى قدراتى”، فقال :”لا يوجد أساس من الأصل لهذا العرض، لا توجد شركة، ستبدأين من الصفر، بناء كيان بهذا الحجم ليس مزحة، لاشك أنه تحد كبير، أرجو أن تقدرى عواقبه”.

وعلى الرغم من سلبية النصيحة، فقد ظهر لى من خلالها التحدى الذى قررت قبوله، فإذا كان هذا الشخص الذى له باع كبير فى عالم تطوير وإدارة الأعمال يرى أنه لا يوجد أى مقومات لنجاح العمل، فقد اقتنعت أن المهمة هى كيف أنجح فى خلق كيان ناجح من العدم، وقررت فى لحظة لن أنساها أن أكتب استقالتى من عملى السابق، لحظة ربما لو انتظرت بعدها يوما واحدا، لكان أحدهم قد نال منى بطريقة خسيسة ولكن الترتيبات القدرية جعلتنى سيدة الموقف واخترت تاريخ الاستقالة بحيث يكون آخر يوم لى فيه هو 14 ديسمبر وأول يوم فى عملى الجديد يوم 15 ديسمبر 2015.

كان تاريخ 15 ديسمبر محفورا فى ذاكرتى بموعد التحاقى سنة 1990 بالسوق الحرة – مطار أبوظبى الدولى كمديرة للتسويق والإعلام، تلك الوظيفة التى غيرت مسارى المهنى وفتحت لى أبواب الانفتاح على العالم من خلال التسويق العالمى لمطار دولى والمشاركة بدور فعال فى وضع مدينة أبوظبى على خريطة السياحة العالمية من خلال العديد من الممارسات التسوقية التى كُللت بنجاح بحصولنا على جوائز عالمية لأفضل حملة تسويقية لسوق حرة على مستوى العالم لمدة ثلاثة أعوام على التوالى.

عودة لموقف تاريخ كتابة الاستقالة، فقد كان وأصبح يوم 15 ديسمير 2018 هو أول يوم عمل لى فى المجموعة الجديدة التى عُهد إلىّ بإشهارها وتطويرها وفق رؤية طموحة جدا وتبدو مستحيلة لمن لا يؤمن بقدراته.

وبينما أضع لبنات الشركة مع فريق العمل الواعد الذى انضم إلينا بعد اختيارات شديدة الدقة، إذا بالكورونا ڤيروس يفرض نفسه علينا وعلى الدولة وعلى العالم كله وتبدو الأمور ضبابية جدا وينصحنى الكثيرون بما فيهم بنوك التمويل بأن أتريث وأن أقوم على الفور بتجميد كل المشاريع وأقف حتى لا نتعرض لخسارة فادحة، خاصة أن أغلب مشاريع الشركة قائمة على تطوير فنادق ومطاعم سياحية ومبان متعددة الاستخدامات تتطلب وجود عامل جذب لأبوظبى ودبى حتى تنجح هذه المشاريع، وهو ما لم يكن متوقعا مع انتشار الوباء وفترة الحظر وكل ما أعقبها من تداعيات.

وتحدثت مع صاحبة المال والرؤية التى اختارتنى وائتمنتنى على مالها وشركاتها ورحنا نفكر فى الخطوة المرتقبة مع الأخذ فى الاعتبار أن شركات كثيرة فى هذا الوقت اتخذت قرارات حاسمة بالغلق وبتسريح موظفيها وتقليص مرتبات من أبقت عليهم من موظفين آخرين.

وتذكرت النصائح التى تلقيتها ممن حولى منذ عامين، ورحت أراقب الموقف وأدخل كل يوم على عشرات المواقع الإلكترونية لأكبر شركات فى العالم ولأكثر شخصيات مؤثرة فى الكون، وأراقب الشركات المحلية وحالها وقت الأزمة واكتشفت أن الحياة لم تتوقف، عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء، تقدير الوقت والحال الذى عليه المشروعات، خلطة استراتيجية جدا لاتخاذ قرارات مصيرية، وجاء القرار حاسما، سنستمر إذ أننا فى مرحلة تطوير وبناء تستلزم الكثير من الوقت، لدينا العديد من المشاريع فى الوقت الحالى قيد البناء، وهذه المرحلة عادة ماتكون شاقة وبطيئة وتستنزف طاقة جبارة وتفاصيلها كثيرة ودقيقة، لذلك اعتبرنا تجمد الحياة من حولنا وقت الكورونا فرصة لنعمل بدون ضغط بينما انسحب الكثيرون حولنا فى نفس الصناعة. وجاء قرار الاستمرار وفق رؤية مدروسة ومحسوبة جيدا، عضدها حماس وكفاءة فريق العمل المتميز جدا، فقبل أن تحلم ببناء كيان كبير، عليك أن تبنى فريق العمل الذى سيساعدك فى تحقيق هذه الرؤية وتحويلها إلى واقع، وبالفعل فى لحظة فارقة، وضعنا أيدينا فى أيدى المؤسسين وأصحاب الأدوار الريادية فى فريق العمل واستمرينا يُعضدنا ثقة ودعم صاحبة الشركة، وأبحرت السفينة فى البحر الهائج.

أذكر أن أحد الشركات التى كانت على وشك توقيع عقد بناء معنا، انسحبوا فى عز أزمة الكوڤيد وبدا من التعبيرات التى ظهرت على وجه ممثلهم فى المنطقة، الاستغراب واضحا وهو يرى أننا سنمضى قدما فى المشروع سواء به أو بدونه، وعندما سألنى، لما العجلة وأنا شخصيا أقوم بغلق بِزنس مماثل، جاء ردى كالتالى: الحياة لم تتوقف، ربما سيتغير شكل أو أسلوب إدارة الأعمال بعض الشىء ولكن لن يعيش العالم فى تباعد اجتماعى طول العمر، فهذا السلوك ضد الطبيعة البشرية، خُلق الإنسان حرا، بلا كمامات وبلا قيود .. وفعلا بدأت بعض الشعوب فى التمرد على قرارات الحكومات بالغلق والعزل وخلافه وبدأت أكثر الشعوب تضررا، اتخاذ قرارات الفتح مع أخذ الحذر والاحتياطات اللازمة لتقليل فرضية العدوى والإصابات.

بسبب الكورونا ڤيروس، انتعشت شركات وماتت أخرى، لا يوجد ثوابت فى الكون.. سنتعلم كيف نستفيد من الدروس والعبر التى أفرزتها ولكن لن نتوقف.

وتدريجيا عادت الحياة لطبيعتها وبدا واضحا أن قرار الاستمرار فى البناء كان قرارا سليما، تطلب جرأة ورؤية وإيمانا بقدراتنا وقدرات فريق العمل، وإذ فجأة تلوح فى الأفق أخبارا عن ظهور بعض اللقاحات الناجحة، ونقوم بأخذ اللقاح فى وقت كثُر فيه اللغط حوله، ويبدأ الجميع فى فهم أن الأمر متروك له فى حماية نفسه وأن عجلة الحياة لن تتوقف.

فى هذه الفترة كنت وفريقى متحمسين جدا وأغلقنا أعيننا بوعى كامل عن أى تفكير سلبى وقررنا معا أن ننتهز الفرصة ونكون جاهزين لما بعد الكوڤيد .. ومابين عمل دؤوب وترقب وانتظار وتحديات إذا بأول مشروع لنا يرى النور، ويتصادف أن يكون افتتاحه المبدئى يوم 15 ديسمير 2020 .

ومع مرور عامين على تدشين مجموعة الشركات التى أهدانى القدر قيادتها، أردد وأقول “عقارب الساعة لم ولن تعود إلى الوراء، الخوف والجبن لا يقود لأى نجاح، الاستسلام وترديد “مفيش فرص” هو منطق لا أعرفه ولا أقبله، الله يعطينا طرف الخيط ونحن من يخلق الفرص، والنجاح لا يأتى من فراغ والله لا يضيع أجر من أحسن عملا، وما توفيقى إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.

وبالمناسبة التقيت أمس بنفس الشخص الذى انسحب من مشروع البناء فى وقت حساس جدا وفى نقاش جديد حول نفس المشروع، هنّأنا وقال إن حساباته لم تكن دقيقة.

الحمد لله دائما وأبدا، أؤمن دائما بأهمية ألا نترك أوهاما ومخاوف توقف أوتعوق تقدمنا، علينا التريث ولكن لا للتجمد. فى انتظار 15 ديسمبر 2020 أؤمن أننا نحن من يصنع التاريخ.

عن Economist2egy

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*