الرئيسية / مقالات / عزيزى الكورونا فيروس.. من أنت؟………..بقلم نيفين إبراهيم

عزيزى الكورونا فيروس.. من أنت؟………..بقلم نيفين إبراهيم


بقلم: نيفين إبراهيم

لا يمكن أن يفكر الإنسان حاليا إلا فى فيروس الـ Covid-19 الذى حير الجميع وأخافهم وأرهبهم بل وشل الحياة وأجبر العالم كله على التوقف عن التفكير فى أى شىء إلا هو.
كم أنت قدير يا عزيزى الفيروس .. مع اأك لاترى بالعين المجردة .. .لا كينونة واضحة لك .. لا منصب كبير ولا جاه ولا سلطان ولا أفخر الثياب ولا ثروات ضخمة تضعك على غلاف مجلة فوربس الشهيرة ولا شهادات عليا ولا أى شىء من كل ماديات الحياة … كم أنت غامض!
هكذا رحت أتأمل الفيروس اللعين الذى أحال حياة العالم إلى جحيم وكشف لنا حقيقة أننا لسنا بهذا السوء الذى طالما تصورناه… الوفيات فى الدول الأوروبية تحدث بمعدل أكبر بكثير فى هذه الفترة عن نظيراتها فى دول مثل مصر مثلا وأيضا بعض دول الشرق الأقصى .. رأينا وشاهدنا بأنفسنا أن المستشفيات فى أكبر الدول لا تتسع لكل المرضى لأنه لا توجد منظومة صحية فى العالم تتسع لأكثر من 10% من سكان البلد.
سمعنا رئيس وزراء دولة عظمى مثل إنجلترا يقول كونوا مستعدين لفقد الأحبة وامكثوا فى بيوتكم، فسيموت البعض لأن الجهاز المناعى هو من سيحمى الناجين.. فهمنا أن الإنسان يقف عاجزا أمام فيروس لا يرى بالعين المجردة..
وبعد تفكير وتأمل، وجدت أن قوة هذا الفيروس هى فى الخوف الذى زرعه فى كل النفوس.. الخوف، هذا العدو الفاجر الذى يقتل ويدمر ويشل .. يصبح عدوك أكثر خطورة عندما لا تعرفه!
ولكن لماذا الخوف؟ قد يبدو السؤال غريبا .. فالخوف شعور إنسانى يتملك الإنسان عند اقتراب الخطر منه .. والخطر أنواع .. ولكن أشدها فتكا، هو الخوف من الشعور بالألم وباقتراب الموت، ذلك العالم الغامض.. نحن نخاف مما لانعرف.
أحيانا أتأمل ردات فعل المحيطين بى، فأجد البعض يحتاط احتياطات مبالغ فيها قد تدعو إلى الضحك أحيانا، البعض الآخرلا يهتم بتاتا نتيجة لجهل أو ربما عدم الوعى وخطورة الأمر، وآخرون يتخذون بعض الاحتياطات باعتدال ومجموعة أخرى، بدأت مؤخرا فقط فى فهم أن العالم قد ينتهى من جراء هذا الهجوم الفيروسى الذى ألجم الألسنة وشل الحياة.
من كل بلد تعلمنا شيئا خلال هذه الأزمة.. حظر رئيس الوزراء البريطانى التجمعات فى الأفراح ومعمودية الأطفال فى الكنائس ولكنه استثنى من ذلك الجنازات والعزاء.. فالفرح من الممكن تأجيله، من الممكن أصلا ألا تتواجد فيه ولكن مازال للموت وقار.
علمتنا الصين، أن القوى هو من لا يتحدث كثيرا بل الذى ينجز فى صمت، علمتنا إيطاليا وإسبانيا أن عدم أخذ الأمر على محمل الجد، يأتى بعواقب وخيمة وإن تصور البعض أن هروبه فى قارب إلى إيطاليا أو أى دولة أوروبية على البحر المتوسط هو بمثابة الوصول إلى بر الأمان فى الدنيا، هى أكذوبة كبيرة …فالعالم كله يشبه بعضه.
وعلمتنا إنجلترا أن الصراحة راحة، فلا داعى للكذب ولا داعى للوعود الكاذبة ..
وعلمتنا أمريكا أن غلطة الشاطر بألف، وقد انتقد أساتذة الجامعات الطبية والعلماء فى الولايات المتحدة، الحكومة، فلطالما حذروا من إمكانية ظهور وباء وقالوا إن دولة بحجمها وفى قوتها وتقدمها العلمى والاقتصادى وريادتها للعالم كان من المفترض أن تكون مستعدة لمثل هذا الوباء على أقل تقدير بتوفير الاختبار الذى يمكنها من التعرف على المصابين وعزلهم فى الوقت المناسب قبل أن ينتشر الوباء ويتفشى بشكل يجعل السيطرة عليه غير ممكنة، وهو ما لم تكن الولايات المتحدة جاهزة له على عكس سنغافورة وهونج كونج وكوريا الجنوبية الذين بالفعل كانوا مستعدين، وتمكنوا من السيطرة على الأقل على سرعة الانتشار حتى يظهر العلاج والتطعيم .. وهنا تكمن أهمية التحرك فى الوقت المناسب لدرء الخطر.. التصرف السليم فى الوقت غير المناسب، خطأ لا يغتفر.
أما اليابان، فقد ساعدتها عاداتها فى السلام والتى لا تقوم على المصافحة باليد على عدم انتشار المرض بسرعة .. ويعدوا من الدول التى على الرغم من وجود إصابات بها إلا أنها تحت السيطرة لأنهم أيضا اتخذوا الإجراءات الاحترازية فى وقت عبقرى ولم ينتظروا حتى خرجت الأمورعن السيطرة .. وهكذا تعلمنا أن السلام باليد ليس مستحبا دائما ومرة أخرى فإن الوقت المناسب هو أثمن وأهم عنصر فى إدارة الأزمات.
أما الهند، فقد رأت فى أزمة الصين فرصة لها وقررت اقتناصاها وراحت تروج لأن الوقت قد حان حتى لا يعتمد العالم على الصين وحدها كمصنع العالم كما يطلقون عليها..بل واعتبروا الأزمة Bonus على حد قولهم لأنها لفتت نظر العالم إلى أنه لا يصح الاعتماد دائما على مصدر واحد لأى صناعة فى الكون.
أما مصر، فقد فاجئتنا كالعادة، وظهرت قوية، قادرة، واعية .. وقد علقت صديقة مؤخرا قائلة، الجهل والفقر سيفاقم من خسائر مصروسينشر المرض ويقضى على الملايين، فأجبتها قائلة، لن يحدث، فقد عودتنا مصر فى كل الأزمات والتحديات أن تفاجئنا وعادة ما يخرج منها أحسن ما فيها .. ولعل إيجابيات أزمة الكورونا، هى عودة هيبة الوزراء ورئيس الوزراء لمصر بعد أن فقدت هذه الوظائف بريقها منذ انهيار النظام السابق، وظننا أنها لن تعود أبدا ورحنا نتهكم ونطلق النكات كعادة المصريين على كل وزير وعلى كل مسئول بمناسبة وبدون مناسبة، حتى جاءت أزمة الكورونا، لتعيد ثقتنا فى أنفسنا وفى نظامنا وتجعلنا نرفع القبعة للنظام ونقول ..هذه هى مصر.
وعن الهلع والقلق سمعت الكثير من الحكايات، لعل أغربها، هى لمواطن إيرانى، علم أنه قد يكون مصابا بفيروس الـ Covid -19 فأجرى الفحص وقبل ظهور النتيجة بيوم واحد، مات ويقول أهله أنه مات من الخوف! لاحول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم .. الاحتياط واجب، فمطلوب جدا أن يتوخى الإنسان الحذر ويأخذ الاحتياطات اللازمة، ثم يسلم أمره لله، لا داعى للهلع ولما الهلع وكلنا يعلم أن لحظة موتنا مكتوبة بالدقيقة والثانية منذ اليوم الذى ولدنا فيه..
وهنا تحضرنى الآية الكريمة ” إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا، إِلَّا الْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِى أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ، لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ.
الإيمان الحقيقى المقرون بالأعمال الصادقة، ينير البصيرة ويضىء القلب باليقين والسكينة ويجعل الإنسان مستعدا دائما لأى احتمال.. فلا داعى للخوف ولا الهلع ولا الجزع، إنه وقت العمل يا سادة، فكما خسرت شركات عالمية وقطاعات متعددة فى العالم أجمع، ربحت قطاعات أخرى أرباحا خيالية.
وجدير بالذكر أن الأزمات والكوارث الطبيعية والأوبئة مثل هذه، هى ليست بالضرورة نهاية الكون، فالاقتصاد العالمى سينهار لبرهة ولكنه حتما سيتعافى، وسيتغير العالم، حتى العادات وأساليب التواصل ستتغير، وحيث إنه مع كل أزمة، توجد دائما فرصة ثمينة، فليس من المستبعد أن تتغير موازين القوى وسيخرح العالم أقوى بعد انحسار المرض والسيطرة على الوباء مختلفا.. والبقاء دائما سيكون للأقوى والأقوى هو من يعرف كيف يقول للفيروس: تعالا أعرفك حجمك، فقد عرفت من أنت .. فالبقاء للعلم وللمعرفة ولمن له السبق ولمن سيخرج علينا بالعلاج واللقاح.

عن Economist2egy