الرئيسية / مقالات / المشروع القومى لبناء الإنسان…. بقلم: نيفين إبراهيم

المشروع القومى لبناء الإنسان…. بقلم: نيفين إبراهيم


بقلم: نيفين إبراهيم
نشرت جريدة الجارديان فى عددها الصادر يوم 18 سبتمبر 2019 خبرا مفاداه أن الرئيس الأمريكى السابق أوباما نصح الرئيس ترامب علانية بشيئين أساسيين ألا وهما أن يتجنب وسائل الاتصال الاجتماعى ومشاهدة القنوات التلفزيونية.
فالرئيس السابق يعرف جيدا أن الأمر خرج عن السيطرة ولم تعد القنوات الإخبارية فى أى مكان لها أى دور إيجابى، بل كلها تخدم أچندات وتروج لأكاذيب.
كنت أتحدث مع صديقة عن الصفحات الفيسبوكية المسمومة وكيف يكرس بعض الإعلاميين صفحاتهم للتشكيك فى أمن واستقرار الدولة وكيف نجد جمهورا جاهلا يتفاعل مع هذه الصفحات المسمومة، فإذا بابنة صديقتى الشابة حديثة التخرج، تقاطعنا وتسألنا بجدية، كم عدد متابعى هذه الصفحات؟ ألف، ألفان أم عشرة آلاف؟ ترى ما هى نسبة هؤلاء مقارنة بعدد سكان دولة مثل مصر مثلا؟ ثم همت بالانصراف وهى تقول: ليس لهم أى تأثير، إنهم ينفسون عن أنفسهم، عن أفكارهم ولكن لا وزن لهم، ولو كنت منكم لما تكلفت مجرد عناء القراءة!
ثم أضافت الشابة الواعية قائلة، لم يعد أحدا من جيلنا يستخدم الفيس بوك أصلا، لقد تركناه بلا رجعة!
لا أخفيكم، أعجبت بوجهة النظر هذه، فعلا وسائل الاتصال الاجتماعى لا تصلح لتأجيج ثورات كما حدث إبان الربيع العربى، فقدت تأثيرها وبدأ جمهور عريض يعى جيدا أن مصداقية هذه الوسائل على المحك ومشكوك فيها ويجب ألا نعطيها أكثر من حجمها.
ومن المعروف أن أوباما شخص شغوف جدا بالمعلومات والإحصائيات الدقيقة، لذلك تابع قائلا: “إن رئيس الجمهورية عليه أن يجمع معلومات دقيقة عن طريق فريق عمل موثوق يستطيع أن يمده بمعلومات وحقائق وليس أكاذيب وإشاعات!”.
لا أخفيكم، المثقف الحقيقى لا يستقى أخباره عبر وسائل الاتصال الاجتماعى، إن فعل فهو يقوم بفلترة هذه الأخبار لأنه يعى تماما عدم مصداقيتها، لذلك فارق كبير بين أن تتعرض لهذه الوسائل وأنت واع وأن تتفاعل وأنت جاهل!
أما عن الأشكال الضالة التى طالعتنا مؤخرا متصورين أن فى إمكانهم إشعال ثورة مرة أخرى فى مصر، فأقول لهم: المُلهمون دائما أصحاب مبدأ، خلوقون، يجبرون أعداءهم على احترامهم قبل أصدقائهم، أما ما شاهدناه من بذاءة وفسق وفُجر فهو لا يشعل ثورة بل يخدم الإدارة الحالية للبلاد .. سلوكياتكم وأسلوب كلامكم وألفاظكم البذيئة لا يؤهلكم للبطولة، بل لتسليتنا كالأراجوز والبهلوان فى السيرك.
وكما نصح الرئيس السابق أوباما، الرئيس ترامب بأن قضاء بعض الوقت على وسائل التواصل الاجتماعى والتركيز على كيفية تصوير استطلاعات الرأى والإعلام لشخصه، يمكن أن يجعل من الصعب إدارة البلاد بفعالية، وتابع: “إنه يخلق الكثير من الضجيج ويجعل حكمك على الأمور غير موضوعى لأنك تبدأ فى الخلط بين معارضة أو شغف مجموعة صغيرة من الناس لديهم شعور يخصهم هم بكيفية إدارة بلد ما، ولا شك أن هذا سيؤثر على قرارك بطريقة غير صحية”، فأنا أنصح الناس كلها بألا يصدقوا كل ما يكتب ويقال، لأن وسائل التواصل الاجتماعى أصبحت مثل أن تمكن كل الناس من حمل سلاح ثم تقول لهم: “لكم حرية الاختيار فى استعماله كما تريدون”.
وإذا كان هذا رأى رئيس حَكم أكبر دولة فى العالم، هى فى المقام الأول صانعة علم الإعلام ووسائل الاتصال الاجتماعى، فهذا يؤكد فعلا أن وسائل الاتصال الاجتماعى تحتاج إلى وعى من يستخدمها، وعلينا أن نتذكر أن تعزيز قيم ثقافية إيجابية وبناء الإنسان هى دور قادة وحكومات الدول فى الحفاظ على أمنها وسلامتها وعلى سلامة وصحة أبنائها النفسية والشخصية .. فمن يلعب هذا الدور فى ظل غياب الإعلام الرسميى؟ أتصور أن الإجابة على هذا السؤال هى “التعليم التعليم التعليم”.. فلا شىء يهدم الأمم إلا الجهل.
وكما تبنى الدولة المدن الجديدة والطرق والمشاريع الاستثمارية العملاقة، عليها أن تُكرس كل إمكانياتها فى بناء الإنسان والأجيال الجديدة.
عاصرت التجربة الإماراتية لأكثر من ثلاثين سنة ورأيت كيف نجحوا فى بناء الإنسان حتى إنه عندما تعرضوا لمحاولات هدم الدولة عن طريق تنظيم الإخوان، وقف الشعب كله على قلب رجل واحد ولم يكن لدى أى فرد فى هذا الشعب أى قبول لأفكار هدامة، ولما لا! وابن الإمارات هزاع المنصورى حقق إنجازا تاريخيا باسم بلاده بأن أصبح أول إماراتى يصل إلى الفضاء، ويشار إلى الرحلة على أنها علامة إيجابية على نمو قطاع الفضاء الإماراتى، وتتضمن الخطط الإماراتية إرسال رحلة غير مأهولة إلى المريخ بحيث تكون عام 2021 لتتزامن مع الذكرى الخمسين لقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
أما الهند فقد حاولت إنزال مركبة فضائية بالقرب من القطب الجنوبى للقمر، وكادت أن تنجح ولكن للأسف لم يوفقوا فى آخر دقيقة قبل الإنزال، ومع هذا فالهند تستحق كل الاحترام والتقدير ونالوا على الأقل شرف المحاولة وأنا على يقين أنهم سينجحون فى المرة القادمة.
أتمنى أن يأتى يوما وتنشغل مصر بمشروع كبير مثل هذا يجعل الأجيال الجديدة شغوفة بتحقيق إنجازات ترفع من تقديرهم لأنفسهم، فالمصرى لا ينقصه شىء حتى يتميز ويبدع فى جميع المجالات .. ولعل روعة هذا الشعب فى صموده على المكائد التى أحيكت له وكيف نجونا بمصر وخرجنا بها من مأزق الوقوع فى يد المتأسملين ليحكمونا باسم الدين .. لا أخاف على مصر، فهى مهد الأديان والأنبياء والحضارات .. لن يسقط مصر فاسد ولا فاسق ولا مدمن مخدرات، ولا فيس بوكى محدود العلم والإمكانيات. المصرى أثبت عبر التاريخ أنه كالصخر لا يقوى عليه أحد.
ننتظر الكثير من القيادة، ننتظر المشروع القومى لبناء الإنسان، لا شك أنه سيكون أهم مشروع على الإطلاق.

عن Economist2egy