الرئيسية / مقالات / الزوجة الداهية………………….بقلم: نيفين إبراهيم

الزوجة الداهية………………….بقلم: نيفين إبراهيم


بقلم: نيفين إبراهيم
فى السنة الأخيرة من حكم الملك “يون صان” لحقت بالناس مصائب شديدة لم يشهد مثلها بشر من قبل، أرتكبها الملك نفسه الذى عرف بجنونه وفسقه، وقد وصل به فساد الأخلاق إلى أن أصدر أوامره لرجاله وخدمه بأن يحضروا له أى امرأة جميلة يرونها فى بيت النبلاء، وهكذا كان كلما أعجبته واحدة جعلها ملك يمينه.
كان يقول لعبيده: “لا تبالوا باعتراضهن، خذوهن بالقوة وأجلبوهن إلى هنا، وهكذا لم تنج أمرأة من قبضته، حتى أنه بلغ به البطش أن أذاع خارج المملكة أن زوجة الوزير “صو” تفضله على زوجها وتتمنى لو أنها تعيش معه فى القصر بشكل دائم، وأصبحت هذه الشائعة حديث المدينة وصعقت الناس.
ولهذا السبب نبذه الجميع، كما للسبب نفسه أيضا خُلع عن عرشه، ليحل محله الملك “تشونغ جونغ”.
وفى تلك الأيام العسيرة، كان أحد الوزراء متزوجا من شابة باهرة الجمال قلبا وقالبا. وفى أحد الأيام جاءها خبر بأنها مطلوبة للقصر، وكانت غيرها من النسوة ممن تأتيهن مثل هذه الأوامر، يبكين ويتصرفن كأنهن يسقن إلى حتفهن، بيد أن هذه الشابة لم تظهر أى بادرة من بوادر الخوف، بل ارتدت ثيابها وتوجهت مباشرة إلى القصر، وعندما رآها الملك، أمرها بالاقتراب منه، فاقتربت، ليفاجأ برائحة كريهة تنبعث منها، بل كانت أبغض رائحة يمكن للمرء أن يتخيلها أو يتصورها، فرفع مروحته أمام وجهه، واستدار جابنا وبصق، ثم نادى الخدم وهو يقول: “أنقذونى، لا أستطيع تحمل هذه المراة، خذوها من هنا، وهكذا هربت من براثنه من دون أن يمس شرفها”.
كيف نجحت الزوجة من حماية نفسها؟
كانت تعلم أنه عاجلا أو آجلا ستأتى اللحظة التى تستدعى فيه إلى القصر مثلما حدث مع كل سيدة جميلة فى المدينة، لذلك احتاطت للأمر وخططت لخدعة تكفل لها النجاة .. فاحتفظت فى المنزل بقطعتين من اللحم الفاسد المتعفن لتكونا فى متناول يدها متى احتاجت إليهما، وعندما جاء هذا اليوم، وضعت قطعتى اللحم أسفل إبطيها وانطلقت إلى القصر، وهكذا انبعثت منها تلك الرائحة الكريهة التى أشمأزت لها نفس الملك .. وقد أثنى كل من عرف بخدعتها هذه على شجاعتها وفطنتها.
قرأت هذه القصة الجميلة فى كتاب “ضارب الرمل” حكايات شعبية من كوريا تأليف أى أم باتغ، ويى ربوك التى قامت بترجمتها تهانى عويضة .. وقررت أن تكون العبرة المستقاة من القصة هى موضوع مقالى هذا الشهر..
لا يستطيع أحد أن يجبرك على عمل شىء لا تريده إلا إذا تركت نفسك للأقدار ولم تتحسب لها .. الوعى بالأحداث وبطبيعة الأشخاص من حولك سلاح أساسى لتعرف كيف تحمى نفسك من شرور وأطماع الآخرين، وهذه القصة البسيطة تعكس ما يحدث فى مناح أخرى فى الحياة وليس على مستوى الأفراد فقط، بل على مستوى الأسر والشركات والدول.
وبعد أن انتهيت من قراءة القصة، تذكرت كتاب “قواعد السطوة الـ 48” للمؤلف روبرت جرين – الذى قرأته للمرة الأولى منذ أكثر من عشرين عاما.. أذكر أننى عندما قرأت هذا الكتاب فى الماضى، لم أحب الكثير من القواعد التى ذكرها، فقد كان بمثابة تحريضا على اللؤم والخبث والتخطيط واستخدام الآخرين والتظاهر بغير حقيقتنا فى بعض الأحيان .. ولكن بمرور السنوات وبعد أن عركتنى الحياة فى مناح مختلفة، تبين لى أن كل هذه الأفعال هى واقع نعيشه مع بعض الأشخاص، فالملائكة لا يعيشون على الأرض.. ورحت أبحث عن الكتاب مرة أخرى لأستعيد قراءة النصائح والاستراتيجيات المذكورة فيه وفى هذه المرة وجدتنى أقرأه بشغف، وراحت صور بعض الوجوه التى مرت فى حياتى، المؤثرة أحيانا والكريهة أحيانا أخرى، تقفز إلى ذاكرتى وأنا أربط بين القواعد التى ذكرها الكاتب وبين التجارب الحياتية التى عشتها ووجدتنى أسلم بأن الدهاء مطلوب فى الحياة حتى نستطيع أن ننجو بأنفسنا وأحيانا بمركبنا من الغرق، سواء فى الحياة الشخصية أو العملية أو حتى على مستوى الدول.
وعلى الرغم من أننى مازلت لا أستطيع تقبل بعض القواعد، فقد قررت أن أشارككم بعض ما أحببته منها..
أول قواعد السيطرة وفرض السطوة هى ألا تضع ثقة أكثر من اللازم فى الأصدقاء، وتعلم كيف تستخدم الأعداء، ولا تعلن عن تحركاتك قبل الانتهاء منها، حتى تحير من حولك وتمنعهم من الكيد والاستعداد لك. تذكر أن الأذكياء فقط هم من يتحدثون قليلا، ويقولون أقل مما هو ضرورى، فكثرة الكلام تضيع الهيبة، وقديما قال أحد الحكماء من الأسهل على الشخص أن يتفوه بالحماقات من أن يرتكبها، استدرج الآخرين لفعل ما تريده أنت، لا تظن أن الشدة والحزم يؤديان إلى الحسم والانتصار، فالحقيقة أن أنجح الأفعال هى ظبط النفس والتأنى واستدراج أعدائك ومراقبتهم وهم يدخلون الفخاخ التى أعددتها لهم. وهنا قفزت إلى ذهنى قضية “سد النهضة” وإثيوبيا وصمت إسرائيل وشائعات أن قطر هى من مولت السد وصمت القوى العظمى والتصعيد المصاحب للموضوع، ووجدتنى مقتنعة، أن ما يحدث ليس صدفة، بل هو تخطيط مسبق من كيانات لها أجندة تخدم مصالحها، هذه الكيانات، قسمت السودان، وفتتت العراق، وأنهكت سوريا، ودمرت ليبيا، وقزمت دول عربية كثيرة، وتسعى للتحكم فى منابع النيل حتى تستطيع عندما يسنح الوقت المناسب فرض سطوتها على المنطقة والاستفراد بخيراتها وتحقيق حلم دولة إسرأئيل الكبرى من النيل إلى الفرات.
لم نكن مستعدين، يرى البعض أن هذا تقصيرا وأراه أنا حسن نية، فالعقل يعجز عن تخيل ما يحاك للمنطقة فى الخفاء.. ولكن آن الآوان أن ننتفض وأن نعى وأن نفكر ونخطط ونفعل كل ما يمكننا عمله حتى ننجو مثلما نجت “الزوجة الداهية”.
ومن قواعد السيطرة هى ألا تجعل الغضب يفقدك توازنك.. لا تُضع وقتك فى جدال عقيم، استخدم الوقت للعمل على تحقيق أهدافك، فالانتصارات اللحظية التى تظن أنك أحرزتها بالجدل هى فى واقع الأمر انتصارات كاذبة فالضغينة والطاقة السلبية التى تتركها فى النفوس، تفوق فى قوتها أى تغيرات حقيقية أردتها فى الواقع. فحقيقة أن ثروتنا الحقيقية فى الحياة هى الوقت والجهد، وكل لحظة نهدرها فى التدخل فيما لا يعنينا وفى التفكير فى القيل والقال هو بمثابة إهدار لهيبتك وتخصم من ثروتك.. كم نضيع من عمرنا فى الجدل؟
الذكاء هو أوضح الصفات التى عليك أن تخفف من إظهارها، ليس هذا فقط، بل لا تظهر مقدرتك على التذوق الجمالى والتمكن، لأن كلتا المهارتان يقاربان الذكاء فى نفس القدر على مقياس الغرور.. أظهر للآخرين دائما أنهم أكثر تمكنا منك وسترى بعدها كيف يمكن أن تحقق من خلالهم كل ما تتمنى. فهناك مواقف يكون التغافل فيها هو قمة الحكمة، ليس الجهل، بل الادعاء بأنك تجهل.
لا تعتمد فقط على إحساسك فى تقييم خصومك، فسوف ترتكب أخطاء مزعجة إن اعتمدت على الإحساس، لا شىء يغنى عن الدقة والمعلومات المحددة.
لا تجعل الآخرين يستدرجونك إلى نزاعاتهم التافهة، لا تتصور أنه واجب عليك أن تنحاز لطرف ضد طرف فى صراع لم تشارك فيه ولا يخصك. حافظ على طاقتك للانتصار فى معاركك الحاسمة مثلما فعلت “الزوجة الداهية” وإلا “تروح فى ستين داهية”!!

عن Economist2egy