الرئيسية / مقالات / أم شيرين ………… بقلم: نيفين إبراهيم

أم شيرين ………… بقلم: نيفين إبراهيم

بقلم: نيفين إبراهيم
كانت الدنيا تقوم ولا تقعد كلما زارتنى أمى فى المدرسة، فقد كانت أنيقة جداً .. وحقيقة، كنت أزهو مثل الطاووس وأفتخر بأمى التى علمتنى أن الاهتمام بالمظهر، أمر ليس ثانوياً بل أساسياً لأنه عنوان الشخصية، ولم تنس أبداً أن تؤكد لى أن الجوهر أهم وأبقى.
وحرصت أمى دائما منذ طفولتى على أن نرتاد المكتبات لشراء الكتب والقصص والمجلات والموسوعات حتى تأصلت عادة القراءة فى وأصبحت شغلى الشاغل. وكلما انتقلت من مرحلة عمرية لأخرى، اتسعت الدائرة وتطورت لتشمل روائع الأدب العربى والعالمى والتاريخ وعلم النفس والسياسة والدين والفلسفة والفن وكل كتاب وصلت إليه يدى.
وبالتراكم المعرفى المقرون بزيارة المتاحف والمعارض والسفر وارتياد السينما والمسرح ودراسة الإعلام، ارتفع سقف طموحى حتى طال السماء، وصارت أحلامى أكبر بكثير مما قد يتصوره عقل، ولا أخفيكم أصبحت متمردة وبشدة على أى شىء لا يقبله عقلى، فالقراءة تُنير العقل، وتُوسع الآفاق وتلهمنا لنحدث التغيير فى حياتنا أولًا ومن ثم فى العالم من حولنا.
وكما يقول ماريو فارغاس يوسا الروائى الأسبانى مؤلف رواية “المدينة والكلاب” والحاصل على جائزة نوبل فى الأدب عام 2010: “لطالما كان الأدب وسيبقى واحدًا من القواسم المشتركة لدى التجربة البشرية، والتى يتعرف البشر من خلاله على أنفسهم والآخرين بغض النظر عن اختلاف وظائفهم، خطط حياتهم، أماكنهم الجغرافية والثقافية، أو حتى ظروفهم الشخصية. استطاع الأدب أن يساعد الأفراد على تجاوز التاريخ، كقرَّاء لثرفانتس، شكسبير، دانتى، وتولستوى. نحن نفهم بعضنا عبر الزمان والمكان، ونشعر بأنفسنا ننتمى لذات النوعية، لأن من خلال الأعمال التى كتبوها، نحن نتعلم ما نتشاركه كبشر، وما الذى يبقى شائعًا فينا تحت كل الفروقات التى تفصلنا”.
عندما أصبحت أماً، شعرت وكأنى ولدت من جديد، وعندما احتضنت ابنتى للمرة الأولى، كانت لحظة سلام فارقة فى حياتى، وهبتنى تلك اللحظة طاقة خلاقة جعلتنى أحب الحياة أكثر، وعاهدت ابنتى بأنها ستكون أعز صديقاتى وقلت لها سأواصل ما فعلته أمى، سأعلمك أن أعظم حب فى العالم هو حب الذات بإيجابية، أن تلتقط عيناكِ الجمال دون القبح وأن تنثرى الطيب أينما حللتى وأن تكونى متفردة كلحن موسيقى مميز يستعذبه السامعون ولا ينسونه أبدا.
الأم هى المسئولة الأولى عن تشكيل قناعات المجتمع بما تُرسخه فى عقول أبنائها من قيم ومفاهيم، فإما أن تبنيه أو تهدمه!
هى وحدها القادرة على تقديم أجيال طواقة للمعرفة، تحافظ على القيم، تتدثر بالثقة بالنفس، لديها اهتمامات متعددة، تتذوق الفن بكل أشكاله وترغب بشدة فى تجميل الواقع، أجيال تتقبل نجاح الغير وتحترمه، تتقبل الخسارة وتتعلم منها
وتحولها لنجاح، وتعى أهمية العمل الجماعى، فهم ليسوا فى سباق مع أحد، بل فى سباق لا ينتهى مع أنفسهم.
نحن بحاجة لتعزير ثقافة “الاهتمام بالمظهر” والمحافظة على اللياقة البدنية لنعيد للمصرى بريقه الذى فقده على مدار العقود الخمسة الأخيرة، وقد سمعت عن مبادرة وزارة الصحة بالقضاء على السمنة خلال أربع سنوات وآمل أن تكون مبادرة صادقة وجدية، فالاستثمار فى الأجيال الجديدة، يجب أن يشمل كل شىء، بداية من المظهر، مرورا بالصحة الجسدية والنفسية والتعليم والثقافة والقيم والأخلاق.
أحيانا أغمض عيناى وأتأمل مسيرتى المهنية، ربما حققت نجاحات كثيرة، وحصلت على مسميات وظيفية براقة، ولكن يبقى أهم لقب فى حياتى وأقربهم إلى قلبى هو “أم شيرين” كما ينادينى أهل الإمارات، فحقيقة، لا إنجاز ولا نجاح أعظم من نجاح الأم فى رسالتها الأهم، ألا وهى بناء إنسان.

عن Economist2egy